أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
192
العقد الفريد
وردّ الكتاب ولم يقره * لئلّا أردّ إليه الرسولا وأحسب نفسي على ما ترى * ستلقى من الهجر همّا طويلا وأحسب قلبي على ما أرى * سيذهب سنّي قليلا قليلا ! ثم ترك يدي ومضى : وحكى أبو العباس المبرد قال : دخل عمرو بن مسعدة على المأمون وبين يديه جام « 1 » زجاج فيه سكر طبرزد وملح جريش ؛ قال : فسلمت ، فرد وعرض عليّ الأكل ؛ فقلت : ما أريد شيئا ، هنّأك اللّه يا أمير المؤمنين ، فلقد باكرت بالغداء فإني بتّ جائعا . ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول : اعرض طعامك وابذله لمن دخلا * واحلف على من أبى ، واشكر لمن أكلا فلا تكن سابريّ العرض محتشما * من القليل ، فلست الدهر محتفلا « 2 » ودعا برطل ؛ ودخل رجل من أجلة الفقهاء ، فمد يده إليه ، فقال ؛ واللّه يا أمير المؤمنين ما شربتها ناشئا ، فلا تسقنيها شيخا ! فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة فأخذها منه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، اللّه اللّه ! إني عاهدت اللّه في الكعبة أن لا أشربها أبدا ! ففكر طويلا ؛ والكأس في يد عمرو بن مسعدة ، حتى لقد ظن أنه سيأمر فيها ؛ ثم قال : ردّا عليّ الكأس إنّكما * لا تعلمان الكأس ما تجدي لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت * إلا بدمعكما من الوجد « 3 » خوفتماني اللّه ربّكما * وكخيفتيه رجاؤه عندي إن كنتما لا تشربان معي * خوف العقاب شربتها وحدي ! ابن أوس ومان في غلام : محمد بن يزيد الأسدي قال : حدّثني حبيب بن أوس قال : كنت في غرفة لي على
--> ( 1 ) الجام : إناء للشراب والطعام من فضة أو نحوها . ( 2 ) السابري : الرقيق من الثياب . ( 3 ) الوجد : العشق الشديد .